ابن الزيات

213

التشوف إلى رجال التصوف

له : ومن أين نجد الماء ؟ فقال لي أبو مهدى سيفتح اللّه في الماء لنا ولا يتركنا . فذهبنا إلى الموضع الذي ذكره أبو مهدى . فحفرنا إلى وقت الزوال . فقال لي أبو مهدى : اذهب بنا لنتوضأ . فأخذ ركوة وتبعته . فجاء إلى الحجارة التي تجتمع في الفدادين حتى صارت كالكدية وجعل ينفضها حجرا حجرا إلى أن وصلنا صخرة كالصحفة وفيها ماء بارد عذب طيب . فملأ الركوة وناولني فشربت وتوضأنا ، وردّ علها الحجارة كما كانت . ثم إني ذهبت يوما آخر إلى ذلك المكان وحدى فحفرت فيه . فلما كان وقت الصلاة ، ذهبت إلى الكدية لأشرب من ذلك الماء وأتوضأ منه . فنفضتها ، فلم أجد فيها ماء قليلا ولا كثيرا . فعلمت أنها كرامة لأبى مهدى . وحدثني داود بن عبد الخالق قال : حدثني وين الخير قال : كنت بمسجد أبى مهدى أدرس فيه القرآن . فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة . فجاءه ليلة بعض إخوانه . فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى أن انصرف الناس . فخرجا من أحد أبواب المسجد . فشدا على أنفسهما أثوابهما وتحزما تحزم الأجراء للخدمة وتلثما . فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض . وما زالا يعلوان في الهواء حتى غابا عنى . فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال وتكاسلت عن القراءة وبقيت مفكرا طول ليلتي . فلما كان وقت صلاة الصبح ، صلّى معنا أبو مهدى مع صاحبه صلاة الصبح . ثم جاءني وقعد عندي على عادته . فرآني منكسرا متكاسلا عن القراءة . فقال لي : ما لك لا تقرأ ؟ فسكت . فقال لي : لعلك رأيتنا البارحة . فهملت عيناي بالدموع فقلت له : رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما . فقال لي : يا بنى ، إن الفرخ إذا نبت زغبه لم يطر مع الطيور حتى يكمل نبات ريشه . فلما كان ذات ليلة ، قال لي : اذهب إلى فلان بمسجد تاتوريت وهو ببلد بنى سمائل فقل له أن يأتيني لأصلى معه الصبح الآن . وبينهما مسيرة يومين وقد قرب طلوع الفجر . قال : فقلت في نفسي : كيف يمكن هذا ؟ ثم تذكرت أحواله . فمشيت وتبعني وودعني ورجع . فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة . فما شعرت إلا وأنا أعاين مسجد تاتوريت . فخرج إلى منه رجل وقال لي : بعثك إلى الشيخ أبو مهدى ؟ فقلت له : نعم .